بعد أن تفقد الروح صداها

حين يتلاشى الفرق بين الحكم والجلاد وحين يكون الظلم هو السيد المطاع معناه أن يكون وجودك جرم وفناؤك صراط, عندها تنحى الحياة منحى آخر ويصبح للموت معنى آخر.

دفق من الدموع المرة ينهمر كالسيل الجارف شاقا طريقه بين ثنايا وجهه المتجهم الذي زادته حرارة شمس الصيف سمرة وقسوة , ومع دفق الدموع المنهمر يتغلغل في أعماق الروح صدى عذابات السنين وإرهاصاتها

كم كانت ملامحه غضة يحسده عليها حتى الطفل الصغير وعيونه اللاتي تشعان سعادة وحنان كم كانتا دافئتين وضحكاته البريئة وحديثه المفعم بالرجولة والحب, كلها زالت الآن ليحل محلها وجه كالح بملامح جرداء قاسية,

قاس هو الزمن والأقسى منه ابن آدم مأساة هذه الدنيا وماساتها نحن تلك الأرض الخصبة الغناء تحولت فجأة إلى ارض قاحلة لا زرع فيها ولاماء .

إحساس عميق بالظلم يعتريك ورغبة ملحة للبكاء تراود النفس عل البكاء ينزع عنها شيئا  من عذاباتها فتبكي وتبكي وتنظر حولك فينبري أمامك ألف سؤال وسؤال , مال الناس لايبكون ؟

هل استكانوا أم من البكاء هم وجلون ؟

من قال إن البكاء ضعف، من قال إن النزف ضعف وهل يخجل الجريح من جرحه.

نزيف الروح يجري والناس تائهون مخدرون أو مبرمجون لغاية لايدركون كنهها، يخدمون أناسا لايرونهم، يستنزفون كل لحظة الآف المرات يسرقون كل يوم الآف المرات ، يموتون الآف المرات .يحترقون ، يتألمون حد الإغماء لكنهم لايبكون .

صابرون هم وزادهم حكمة الصبر التي أكل الزمان عليها وشرب . ضائعون حين يكون الضياع طريق النجاة الوحيد.

ولا تسألهم عن الضياع بل اسألهم عن حلمهم الذي يعيشون ، إنهم يرسمون الحلم ويعيشونه ويظلون يحلمون ويحلمون وينامون مليء الجفون وكان الكون لا يعنيهم ، يسيرون نائمين ، وينامون واقفين ويحيون حياتهم دون أن يشعروا.

ثم يفيقون ليجدوا أن الحلم قد سرق منهم , يضيعون ربما ، يتيهون وسط تناقضاتهم ربما ، لكنهم يعودون ويحلمون فهم دون حلم لا يعرفون فالحلم هوية الضائعين به وحده يجدون أنفسهم ومن خلاله يولدون ومن اجله يتناقضون ، يتحررون تارة ويتقيدون ، يفرحون تارة ويتألمون ولا يكترثون، العالم من حولهم غارق في يقظته وهم في حلمهم غارقون .

ولا تدري أهم أحياء أم أموات أم استقروا على أمر بين أمرين، هل تستسيغ الأرجحة بين همين, هم الحياة وهم الموت ؟  إنهم يتأرجحون

يطرحون على أنفسهم أسئلة لا إجابة لها ويناقشون اللاجواب ويدخلون في متاهات ويخرجون من متاهات ويعودون بلا سؤال ولا جواب ، وينتهي حديثهم حيث بدأ.

يتآكلون شيئا فشيئا ، يتساقطون فرادى واحدا واحدا ولا يبالون، همهم الوحيد الذات والحلم لا يفزعهم التفكير بأنهم يوما ما سيسحقون، وإنهم يوما ما سيبكون .. وحدهم .

لا يفزعهم التفكير لأنهم لا يفكرون.

لا يبصرون أن أبصروا ابعد من انوفهم ، لا يتعضون من آلاف الباكين قبلهم و التائهين بينهم ، لا يتعضون ولا يعلمون أنهم سيكونون الضحية القادمة ، وحين يعلمون ستفيض ساعتها دموعهم انهارا ويفيقون ، ينتفضون من حلمهم صارخين فزعين منهكين ، ليجدوا إنهم قد استيقظوا في منتصف الليل .

Advertisements