طــــــــفلة

جلست وبداخلها ألف رغبة , ألف أمنية تحتضر , ألف حسرة , ألف آهة تستعر , ألف سؤال , ألف مجهول ينتظر .

تداخلت بذاتها الهموم, هم الحياة, هم الموت ! أيهما أفضل ؟ أيهما الأجدى ؟

بات من الصعب عليها التمييز بين الحنان و الشفقة, بين الأقدام و المكابرة, بين الأمل و القنوط, بين الحياة والموت. تعيش حياتها عاجزة وحيدة, آمال كبيرة ونفس كسيرة قيدها العجز وأحبطها الإحساس بالنقص.

حين تنظر إليها تعذرها,جمال أخّاذ,ملامح تقطر طفولية,رقة,براءة,شيء أشبه بالكمال .

لكنك حين تمعن النظر يعصر قلبك ألم وأنت ترى هذا الجمال مقيد إلى كرسي بأربع عجلات.

لقد مرت أشهر قبل أن تتقبل وضعها الجديد, بقيت في صومعتها أشهرا لم تدر كيف مرّت أيّامها, تعاني الألم تبيت آناء الليل وأطراف النهار تقاسي وحدتها, تبكي عجزها, تلعن قدرها, تبكي وتبكي..تغفو ثم تصحو وتعود لتبكي..أشهر من المعاناة لم تر مثيلها.

حاول الكثيرون انتشالها من وضعها المأساوي بالعناية الزائدة والدلال المفرط تارة وبإضفاء جو من المرح والبهجة تارة أخرى.

وشيئا فشيئا أخذت تعتاد وتتحمل على مضض أن يراها الأقرباء بهذا الوضع, هذا الوضع الذي كان يشعرها بالنقص المقيت إزاء الآخرين.

كانت الخطوة الأخرى هي جعلها تندمج بالعالم بعد أن قاطعته, أن تعود لحياتها بعد أن جفت عنها, وإزاء الإلحاح الشديد والترغيب والترهيب وباستخدام كل طرق الإقناع الممكنة , المباشرة منها والملتوية,اضطرت للاذعان وقبول الأمر الواقع مكرهة.استسلمت أخيرا لقدرها , رضيت بحكم الله وأعدت نفسها لدخول الحياة من جديد .

خطت مترددة خائفة ومن خلال فتحة ضيقة في الباب أخذت تنظر إلى الحياة بأمل جديد, تحملت الصدمة الأولى رغم مرارتها, أن ترى كل ما حولها يسير وهي مقيدة على كرسي بأربع عجلات.

كررت المحاولة في اليوم التالي, فتحت الباب أكثر قليلا من المرة السابقة وأخذت تتطلع إلى ما يدور حولها بلهفة المحروم, تلك صديقتها تجوب الحي بمرح غامر وذاك ابن الجيران الذي طالما لعب معها منشغل باللعب مع رفاق جدد. هل نسيني الأصحاب ؟ هل جزعوا مني جزعهم من لعبهم عند عطبها ؟

ما أقساهم ! كيف فقدوا براءتهم بين ليلة وضحاها ؟

كانت الصدمة هذه المرة أعنف من سابقتها , جرحها تنكّر الأصحاب لها وآلمتها نظرة الإشفاق في أعين الآخرين وهم يرونها على تلك الحال .

أوصدت الباب بقوة وأجهشت بالبكاء, ما أطول المسافة بين الغرفة والباب, اليوم فقط أحسّت أنها أبعد من أن تقطعها, فصرخت بأعلى صوتها ” أعيدوني إلى قبري “!

زال التداخل الآن, الموت على مرارته أفضل من العيش وسط هذا العالم الغريب الجحود الذي ما كان كذلك بالأمس. أعادوها لغرفتها وأسلموها لأحزانها وانصرفوا .

أفاقت في اليوم التالي ودون أن تنتظر أحدا ليخرجها من السرير , راحت تصارع عجزها تتقلب يمنة ويسرة , تنزل عن السرير وتزحف نحو كرسيها ذو العجلات الأربع,تكابد ألآمها,تخنق الإحباط في ذاتها وتتبع بصيص أمل جديد

وبآخر ما تبّقى لها من قوة تمتطي صهوة جواد طالما خذلها.

كان نهوضها مبكرا ,فتحت باب غرفتها وانسلّت على كرسيّها المتحرك في ممرات البيت إلى أن وصلت المطبخ

أعدت الإفطار وانتظرت منتشية نهوض والديها ليشهدوا انتصار ابنتهم على عجزها.

انهمرت الدموع غزيرة من عيني والدتها, أسرعت نحو ابنتها تضمها إليها, تقبلها والدموع تسيل دون انقطاع على وجنتيها والفتاة حيرى زالت عنها نشوة السعادة وتحولت شيئا فشيئا إلى حيرة مريرة وخوف قاتل.

أهي دموع فرح بها أم حزن عليها ؟ أم تراها دموع الشفقة التي طالما عذبتها ؟ أماه حتى أنت ؟ حتى أنت أماه ؟

ترثين لحالي ؟ ماذا بقي لي إذن ؟

أدارت كرسيها المتحرك واتجهت مسرعة صوب غرفتها,أغلقت الباب خلفها وبين جدران غرفتها الأربع أخذت تصارع وحيدة طوفان الألم وجبروت الأقدار,حاصرتها الأحباطات من كل جانب تزدري ضعفها,رافقتها خيبة الأمل أنى أدارت وجهها تذكرها بعجزها كل حين.

وحين أدركت أنها تصارع المستحيل بكت حد الإغماء, حد الاختناق, استنزفت ينبوع دمعها الرقراق علّها تغسل به شيئا من أحزانها, أسلمت عينيها البريئتين إلى طوفان دموع محرقة ولفت جسدها الغض الرقيق برداء حزن أسود ثقيل, أثقل من أن تحمله الجبال.

أحست أن الدنيا تدور بها, أهو الفراق الأبدي ؟ أم الرحيل إلى حياة جديدة ؟ ألم جسد , ونشوة روح , برودة تسري في العروق ودمعة دافئة أخيرة ودعت بها الأحزان ولم تشعر بعدها بشيء .

Advertisements